ثقافة الأرقام

كتبهاعبد الله العميد ، في 16 مارس 2007 الساعة: 07:06 ص

بإمكان المهتم بحركة الترجمة العربية المعاصرة أن يقرأ اليوم عددا لا بأس به من المقالات والكتب عن الأوضاع الراهنة للترجمة في البلدان العربية. ولكنه لن يخرج بصورة واضحة، مثلا، عن عدد الكتب المترجمة في بلده أو في بلدان عربية أخرى، لأنه لن يجد بيانات إحصائية حديثة وشاملة عن هذا الموضوع في أي مجلة أو كتاب…

ما زالت المشكلة قائمة في هذا المضمار، ولن تختفي طالما بقينا معتمدين على الإحصاءات التي لا نجريها نحن بجهدنا الخاص، بل يجريها الآخرون (اليونسكو بدلا من ألكسو، مثلا…). وقد ينفع التذكير، في هذا الصدد، بتقرير التنمية "الشهير" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (عام 2003) الذي تلقفته الصحف والمجلات العربية والأجنبية فاستنسخته مرارا وتكرارا من دون تمحيص، وكأنه الحقيقة التي مراء فيها ولا جدال… ولعل الوقت قد حان كي نتولى أمورنا بأنفسنا، إذ لا مناص لنا من أن "نحك جلدنا بظفرنا" ونضع بأنفسنا التقارير اللازمة عن حركة الترجمة العربية المعاصرة.

غير أن إعداد هذه التقارير، وتقييم هذه الحركة، وإصدار الأحكام بشأن أوجه التقصير أو النجاح هي أمور تتطلب أن نبني عملنا على أسس صلبة واضحة. فلابد من أن يستـند هذا العمل إلى الحقائق، ويرتكز إلى معلومات موضوعية موثوق بها. لابد من أرقام وإحصاءات مستقاة من الواقع وتعكس أصدق صورة عن هذا الواقع. لابد من أن نرجع إلى … المراجع لكن، أي مراجع؟ وأين هي المراجع؟ هذا هو بيت القصيد!

تقاريرهم قالت: تصدر، في المتوسط، ترجمة 330 كتابا أجنبيا إلى العربية كل سنة: 330 بصعوبة، بشق النفس…
هذه إحصاءاتهم، فأين إحصاءاتنا؟

نحن في حاجة إلى محاربة "أمية الحساب"، لأننا نجهل التعامل بالأعداد والأرقام.

نحن في حاجة إلى إجراء كم هائل من الدراسات الإحصائية، لأن البيانات الإحصائية هي التي ستمكننا من إصدار الحكم الصحيح على قيمة ما أنجزناه وما يتعين علينا أن نقوم به. وما زالت الإحصاءات، على ما يبدو، غريبة عن تربيتنا وثقافتنا وعقليتنا…

لذلك صعقنا تيار تقرير التنمية إياه، حينما ضربنا بأعداده الكهربائية الحمراء التي لا تصدق: إسبانيا ترجمت في سنة واحدة ما لم تترجموه في نصف قرن!

فهل هذا صحيح؟

- كلا! لا بد أن نتائج التقرير غير مطابقة للواقع. ولكنها، في الوقت عينه، قد لا تكون شديدة البعد عن الحقيقة. فكيف لنا أن نبرهن على خطئها؟ أين هي "أرقامنا" نحن؟ أين هي عمليات الجرد والحصر والإحصاء؟ ومن يفترض فيه أن يتولى القيام بهذا النشاط؟ ما هي الهيئة أو المنظمة المؤهلة للاضطلاع بهذه المهمة؟

قد يكون تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مثبطا لعزائم البعض، ولكن البعض الآخر يستطيع أن يحوله إلى نقطة انطلاق نحو عمليات الجرد والإحصاء، حتى لا يأتي الآخرون ليدّعوا ما يشاؤون ولا نستطيع رد ادعاءاتهم. لذلك لا بد من أن نعمل على تحويل صدمة هذا التقرير إلى حافز للعمل الدؤوب من أجل الرصد والمتابعة والإحصاء.

أما إذا بقينا على عدم اهتمامنا بالأرقام والأعداد، فسنظل تحت رحمة ما يدعيه الآخرون.

ولننظر فقط إلى بيانات نملكها نحن، ولا يتحكم فيها غيرنا، وهي بيانات لا يرقى إليها الشك ويستطيع من شاء أن يتأكد من صحتها. ماذا تقول هذه البيانات؟ 

احتفل المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في فبراير/شباط 2006 بإصداره ألف كتاب مترجم في إطار المشروع القومي للترجمة خلال الفترة من 1995 إلى 2005  

أي ما معدله مائة كتاب في السنة! وهذه حصيلة عمل جبار بكل المقاييس قامت به مؤسسة واحدة في عاصمة عربية واحدة وحيدة. فماذا لو قمنا باستقصاء ما تقوم به مؤسسات أخرى في ذلك البلد، ثم في سائر البلدان العربية؟ ستكون النتائج مختلفة حتما
ثقافة الأرقام التي نحن في حاجة إليها في مجال الترجمة تشمل، فيما تشمله، قواعد البيانات الخاصة بالمترجمين، ووكالات الترجمة، ومؤسسات إعداد المترجمين، ورابطاتهم المهنية، ومجلات الترجمة، الخ. وباستطاعة كل واحد منا أن يأتي، مشكورا، بما عنده من "أرقام" للمساهمة في بناء هذه القواعد.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “ثقافة الأرقام”

  1. أخي عبد الله،

    هنيئا لك هذه المدونة .. إن الشابكة (الإنترنت) من أهم الوسائل التي بحوزة أساتذة الترجمة والمشتغلين بهذه المهنة الشريفة لنشر “ثقافة الترجمة” و”ثقافة الأرقام” وسائر “الثقافات” …

    عبد القادر

  2. شكرا، ألف شكر، أخي عبد القادر. لولاك، لما رأت النور، أو لرأته بمزيد من التأخير.

    وفي انتظار تنفيذ عملية “التنافذ” أو التناضح أو التواصل بين المدونة وموقع “عتيدة”، أهدي تحياتي للأخوات والإخوة العاملين على نشر “ثقافة الترجمة والحوار”.

    عبد الله



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر